فوزي آل سيف

15

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

و«ذكر أن ‌المنتصر ‌لما ‌ولي ‌الخلافة كان أول شيء أحدث من الأمور عزل صالح عن المدينة وتوليه علي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد إياها، فذكر عن علي بن الحسين، أنه قال: دخلت عليه أودعه، فقال لي: يا علي، إني أوجهك إلى لحمي ودمي- ومد جلد ساعده- وقال: إلى هذا وجهتك، فانظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم! يعني آل أبي طالب، فقلت: أرجو أن أمتثل رأي أمير المؤمنين أيده الله فيهم إن شاء الله، فقال: إذًا تسعد بذلك عندي».[59] ولكن هذه الأيام الهادئة لم تستمر سوى نحو ستة أشهر عندما تم اغتيال المنتصر من خلال المؤامرات الداخلية في القصر العباسي[60]، والذي أصبحت فيه تصفية الخصوم هي الشغل الشاغل لرجاله، ولذلك وجدنا أنه خلال فترة بسيطة من الزمان تغير عدد كبير من الخلفاء و"رضت خصاهم"، و" فصدوا بالريش المسمومة".[61] فما لبث أن جاء أحمد بن محمد بن المعتصم الملقب بـ (المستعين) وبقي في الحكم أقل من ثلاث سنوات، ثم ولي الحكم الزبير بن المتوكل وهو المعروف بالمعتز واستمرت مدة حكمه ثماني سنين وستة أشهر، وهذا الآثم كان نسخة من أبيه المتوكل في حقده على أهل البيت. وقد استشهد الإمام الهادي عليه السلام في أيام حكومته، في سنة 254 هـ، وفي التراث الشيعي يعتبر هو المسؤول عن شهادة الإمام، وأنه دس السم للإمام عليه السلام، وللعلم فإنه من بعد أبيه المتوكل فإن نشاط الاغتيال قد تصاعد في البلاط العباسي ليشمل تسميم بعضهم البعض بالإضافة إلى تسميم أعدائهم ومخالفيهم، فهذا المنتصر العباسي قد مات مسموما على الراجح وقد أشار لذلك عدد من المؤرخين، كما ذكرنا في حواشي مضت. وفي نفس هذا السياق نعتقد أنه تم اغتيال الإمام الهادي لا سيما وهم يصنفونه على أنه عدو لهم. 12/ شهادة الإمام (أو موته)؟ استبعد الشيخ المهاجر شهادة الإمام الهادي عليه السلام بالسم، وقال "إن الروايات المتوسطة والمتأخرة زمانيا تشير إلى أنه توفي مسموما من دون أن تقدم دليلا موضوعيا على ذلك"، ورأى أن " الوفاة المبكرة للإمام قد حدثت بعد مرض طويل (علة) ربما بسبب نمط الحياة الشاقة التي عاشها وعمل أثناءها منذ شبابه الأول حتى وفاته".[62] وأرجع ذلك إلى:" الميل المتمكن لدى بعض المؤلفين وغيرهم لرسم صورة مأساوية لحياة الأئمة إجمالا، تحرك الشجى وتثير الحزن والأسى". مستبعدا أن يقوم بذلك المعتز العباسي الذي كان موقعه كخليفة مسكين في غاية الضعف مقابل القوى العسكرية التركية.. واستدل على ذلك بأربع روايات هي قريبة من ناحية الزمان إلى وفاة الإمام الهادي عليه السلام، وهي تفيد أن وفاته كانت بسبب علة ومرض طويل ولا إشارة فيها إلى موضوع السم: الأولى: ما ذكره المسعودي عن ابن الأزهر، قال: حدثني محمد بن الفرج بمدينة جرجان في المحلة المعروفة ببئر أبي عنان قال: حدثني أبو دعامة، قال أتيت علي بن محمد بن علي بن موسى عائداً في علته التي كانت وفاته منها في هذه السنة..

--> 59 ) الطبري: تاريخ الطبري 9/ 254 60 ) ابن الأثير: الكامل 6/ 187 «وقيل: إنه وجد حرارة، فدعا بعض أطبائه، ففصده بمبضع مسموم، فمات منه» «وانصرف الطبيب إلى منزله وقد وجد حرارة، فدعا تلميذا ليفصده، ووضع مباضعه بين يديه ليستخير أجودها، فاختار ذلك المبضع المسموم، وقد نسيه الطبيب، ففصده به، فلما فرغ إليه نظر إليه فعرفه، فأيقن بالهلاك، ووصى من ساعته. وقيل: إنه كان قد وجد في رأسه علة، فقطر ابن الطيفوري في أذنه دهنا، فورم رأسه، فمات. وقيل: بل سمه ابن الطيفوري في محاجمه فمات» 61 ) عصر الخصية كان من وسائل القتل عندهم وهكذا استعمال المشرط المسموم للفصد ففي كتاب ابن مسكويه «تجارب الأمم وتعاقب الهمم» 4/ 307: يتحدث عن تآمر وزراء المتوكل بعضهم على بعض، وما جرى بين نجاح بن سلمة وبين عبيد الله بن يحيى حيث أراد كل منهما أن يوقع بالآخر والنتيجة: كانت الدائرة على نجاح " فأمرا بأن تؤخذ قلنسوته، وقبضا على كتّابه فاستخرجا من يومهما ذلك مائة وأربعين ألف دينار اعترف بها ابنه، وذلك سوى قيمة ضياعه وقصوره وفرشه ومستغلاته وآلاته. فقبض جميع ذلك وضرب مرارا بالمقارع وعذّب ثمّ خنق أو عصرت خصاه فأصبح ميّتا.." 62 ) المهاجر: الإمام الهادي: من ص 88 إلى 90